محمد متولي الشعراوي

3911

تفسير الشعراوى

إذن فالحياة هي أن يكون الكائن على حال يؤدى به مهمته المطلوبة منه . وعلى هذا الاعتبار ففي الإنسان حياة ، وفي الحياة حياة ، وفي النبات حياة ، وفي الجماد حياة ، وكلما تقدم العلم يثبت لنا حيوات أشياء كثيرة جدا كنا نظن ألا حياة فيها ، وإن ظهر لنا في التفاعلات أن بعض الأشياء تتحول إلى أشياء أخرى ، فعلى سبيل المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه ، ورمينا عظامه ، كانت فيها حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها ، بدليل أنه حين يمر بعض من الزمن يتفتت العظم . وكنا قديما في الريف نحلب اللبن في أوعية من الفخار وتوضع في مراقد ، ويستمر اللبن أسبوعا في المرقد ، ويكون أحلى في يومه عن أمسه . ويزداد اللبن حلاوة كل يوم ، ثم تأخذ زوجة الفلاح قطعة القشطة الأخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم . أو الزّبد لكن بعد أن غلينا اللبن نجده يفسد بعد عدة ساعات ؛ لأنك حين وضعته في المرقد ، أخذته بالحياة فيه فظلت فيه حيوية حياته ، لكن حين غليته فقد قتلت ما فيه من الحياة ، فإن لم تضعه في ثلاجة لا بد من أن يتعفن ، ومعنى التعفن أنه لم يعد يؤدى مهمته كلبن ، إنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتريا وغيرها ، ولا يذهب الحياة إلا الهلاك وهو ما قاله الحق : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ . . ( 88 ) [ سورة القصص ] إذن ، لا تأخذ الميت على أنه شئ ليس فيه حياة ، ولكنه انتقل إلى حياة ثانية . أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . . ( 122 ) [ سورة الأنعام ] كأن للإنسان حياة في ذاته ، ثم جعل الحق له نورا يمشى به . كأن الحياة متنقلة في أشياء ، ويحتاج الإنسان إلى حياة ، ويحتاج إلى نور تتضح به مرائي الأشياء . وكانوا قديما يعتقدون أن الإنسان يرى حين ينتقل شعاع من عينه إلى المرئى فيراه ، إلى أن جاء العربي المسلم ابن الهيثم . وقال هذا رأى جانبه الصواب في قانون الضوء ، وقال : إن الإنسان يرى ؛ لأن شعاعا من المرئى يصل إلى عين الرائي . بدليل أن المرئى إن كان في ضوء يدركه الإنسان ، وإن كان في ظلمة لا يدركه الإنسان ،